محمد جمال الدين القاسمي

109

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أي ولا يكونون سبب الإحسان . بل يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم . فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد . وفي أمثال العرب : أبخل من الضنين بنائل غيره . قال : وإن امرءا ضنّت يداه على امرئ * بنيل يد من غيره ، لبخيل قال الزمخشريّ بعد حكاية ما تقدم : ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل ، من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد ، شخص به ، وحل حبوته واضطرب ، ودارت عيناه في رأسه . كأنما نهب رحله ، وكسرت خزانته ، ضجرا من ذلك وحسرة على وجوده . انتهى وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي من المال والغنى . فيوهمون الفقر مع الغنى والإعسار مع اليسار والعجز مع الإمكان وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة اللّه تعالى . ومن كان كافرا بنعمة اللّه تعالى فله عذاب يهينه ، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء . فائدة : قال أبو البقاء : في قوله تعالى : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وجهان : أحدهما - هو منصوب بدل من مَنْ في قوله مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً وجمع على معنى مَنْ ويجوز أن يكون محمولا على قوله مُخْتالًا فَخُوراً وهو خبر كانَ وجمع على المعنى أيضا ، أو على إضمار : أذم . والثاني - أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره : مبغضون . ودل عليه ما تقدم من قوله لا يُحِبُّ ويجوز أن يكون الخبر : معذبون . لقوله وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ويجوز أن يكون التقدير : هم الذين . ويجوز أن يكون مبتدأ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ معطوف عليه ، والخبر إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أي يظلمهم . ثم قال : والبخل والبخل لغتان . وقد قرئ بهما . وفيه لغتان أخريان البخل بضم الخاء والباء ، والبخل بفتح وسكون الخاء . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 38 ] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ( 38 ) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ أي قصد رؤية الخلق إياه ، غفلة عن الخالق